أبي حيان التوحيدي

217

المقابسات

وصدق طنه ، ووضح حدسه ، وأصابت فراسته ، وكان التوفيق قائده ، والسعادة غانيته ، والغبطة حليته ، والبقاء حليفه ، والأبد نعته . وما أسهل هذا الوصف ؟ على ما أقول ، وعليك بالسماع ، وما أصعبه علينا جميعا بالعقل ! وكيف لا يكون ذلك صعبا ، والانسان منوط بالطبيعة من طرف ، ومضاف إلى العقل من طرف ؟ فبالطبيعة يفزع إلى ما هو فساده وهلاكه ، وبالعقل يختار ما هو صلاحه وكماله ، لكن اختياره ضعيف فيه ، لأنه عال في أفق العقل الذي هو موجب الواجب ومحسن الحسن ، وإرادته الطبيعية قوية فيه ، لأنها ناشئة منه ، وكامنة فيه ، ومترددة عليه ، والنقص على الجمهور في كل حال وأمر . وان العجب كل العجب ممن يكمل في دار النقص ، أو يصح في عرصة العلل ، أو يسلم في خطة البلوى ، أو يلذّ الصاب والعلقم ، ويغفل عن غائلتهما وينعم ؟ ! وكان بعض الإلهيين يقول : الاحسان من الانسان زلة ، والجميل منه فلتة ، والعدل منه غريب ، والعفة فيه عرض ضعيف . ومما يزيدك ثقة بما يصرف من القول به نقص هذا الانسان الذي قد اكتنفه الفساد من كل جهة ، وملكه الجهل بكل حال ، أنا وجدنا في هذه الأيام من نظر إلى واد أغن بالكلإ قد استحلست الأرض به خضرة وندى وحسنا ، فخف حين خالف عينه في أطرافه وبلغ به العجب إلى أن قال : ليتني كنت بقرة فكنت آكل من هذا كله أكلا ذريعا ، وهكذا من أعلاه إلى أسفله ، ومن أسفله إلى أعلاه . وكان يقول هذا وهو على شكل ظريف ، لا سبيل للعلم إلى تقريره وإلى أدائه على وجهه وحقيقته ، واللسان أيضا لا يأتي على خواصه ومعانيه ، وهو متحسر في قوله ، على هيئة المجنون ، لغلبة الإرادة الطبيعية ، وقوة الحركة الحيوانية ، وموت العقل الانساني ، وبطلان الشرف الجوهري فلما فشا عنه هذا الحديث وكثر ، قال له بعض الفقهاء معنفا ولائما ومنبها له على خساسته : يا هذا ، هل رأيت قط من تمنى وهو إنسان أن يكون بقرة